محمد حسين الذهبي

419

التفسير والمفسرون

الأثر الفلسفي في تفسير القرآن الكريم مما تقدم يتضح لك أن علماء المسلمين لم يكونوا جميعا على مبدأ واحد بالنسبة للآراء الفلسفية ، بل وجد منهم من وقف منها موقف الرفض وعدم القبول ، كما وجد منهم من وقف موقف الدفاع عنها والقبول لها . وكان من هؤلاء وهؤلاء أثر ظاهر في تفسير القرآن الكريم . أما الفريق المعاند للفلسفة : فإنه لما فسر القرآن اصطدم بهذه النظريات الفلسفية ، فرأى من واجبه كمفسر أن يعرض لهذه النظريات ويمزجها بالتفسير ، إما على طريق الدفاع عنها وبيان أنها لا تتعارض مع نصوص القرآن ، وذلك بالنسبة للنظريات الصحيحة عنده ، والمسلمة لديه . وإما على طريق الرد عليها ، وبيان أنها لا يمكن أن تساير نصوص القرآن ، وذلك بالنسبة للنظريات التي لا يسلمها ولا يقول بها . وهو في الحالة الأولى يشرح القرآن على ما يوافق هذه النظريات التي لا يراها متعارضة مع الدين ، وفي الحالة الثانية لا يمشى على ضوء النظريات الفلسفية في تفسيره ، بل يفسر النصوص على ضوء الدين والعقل وحدهما ، دون أن يكون للرأي الفلسفي دخل في شرح النص القرآني وبيان معناه ، وممن فعل هذا في تفسيره : الإمام فخر الدين الرازي ، ودونك التفسير فسترى فيه ما ذكرته . وأما الفريق المسالم للفلسفة : المصدق بكل ما فيها من نظريات وآراء ، فإنه لما فسر القرآن سلك طريقا كله شر وضلال ، إذ أنه وضع الآراء الفلسفية أمام عينيه ، ثم نظر من خلالها إلى القرآن ، فشرح نصوصه على حسب ما تمليه عليه نزعته الفلسفية المجردة من كل شئ إلا من التعصب الفلسفي . . . وأخيرا وجدنا أنفسنا أمام شروح لبعض آيات القرآن ، هي في الحقيقة شروح لبعض النظريات الفلسفية ، قصد بها تدعيم الفلسفة وخدمتها على حساب القرآن الكريم ، الذي هو أصل الدين ومنبع تعاليمه .